القاضي عبد الجبار الهمذاني

302

المغني في أبواب التوحيد والعدل

قيل له : إن هذا الداعي إنما يعتبر إذا لم يحصل ما هو أقوى منه ؛ والمتعالم من حالهم : أنهم على إبطال أمره أشد حرصا ، منهم على حفظ الحال ، في التنافس ؛ وأن الأنفة التي تلحقهم بكونه نبيا ، وبوجوب الانقياد له ، أعظم من الأنفة ، التي تلحقهم بكونه أفضل في الفصاحة ؛ وأنه من حيث يكون أفضل في هذا الوجه لا يلحقهم من المذلة ، ومفارقة الرئاسة ، إلى غير ذلك ، مما بيناه ، ما يلحقهم بكونه نبيا ؛ فكيف يجوز أن يعدلوا عن الاعتراف له بالفصاحة ، قصدا إلى إبطال أمره ، ويكفوا عن ذلك قصدا إلى تركهم تقديمه عليهم ، في الأمر الّذي لا يضر ! . . وبعد . . فإن اعترافهم للقرآن بمزيته ، وقع على وجه لا يجوز أن يؤثر فيه ما سأل عنه ؛ لأنهم اعترفوا بذلك على وجه خارج عن العادة . . يبين ذلك : أنهم لو اعترفوا به على خلاف هذه الطريقة ، لكان كاعترافهم بتقدم شاعر على شاعر ، ومتقدم على متقدم في البلاغة ؛ وقد عرفنا أن ذلك مما لا يؤثر ، في خروج الكلام عن العادة ؛ فلو اعترفوا على هذا الوجه لقالوا : إن اعترافنا بذلك ، كاعتراف البعض للبعض في التقدم ، ولما منعهم ذلك الاعتراف عن الاحتجاج والمعارضة ؛ ولما اقترن به الخضوع ، والاستجابة ، والعدول إلى البعيد من الحيل . فإن قالوا : إنما لم يعترفوا له بالفصاحة ، لأنهم لو اعترفوا له ، لكان لا يمنع من كونه نبيا ، إذا كانت الفصاحة التي يختص بها القرآن خارجة عن العادة ؛ وإنما كان يمنع من ذلك ، لو كانت لا تخرج عن العادة . قيل له : فهذا الّذي يدل على ما نقول ؛ لأنهم لما اعترفوا على هذا الوجه اقترن باعترافهم « 1 » أنه من عند اللّه ، على الحد الّذي ادعاه رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم :

--> ( 1 ) في « ص » اعترافهم .